JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->

سر التجسد الإلهي و الاتحاد بين اللاهوت والناسوت




سر التجسد الإلهي و الاتحاد بين اللاهوت والناسوت 


 هل في ولادة المسيح العذراوية يعطي الله للبشر آية تقود إلى ضلالهم؟ حاشا. فالله لا يصنع معجزة ليضل بها الخليقة، ولا يحتاج أن يُظهر قدرته كمن يثبت ذاته أمام البشر، لأن الذي خلق من العدم قادر على كل شيء. لكن الميلاد العذراوي هو إعلان إلهي لخلاصٍ سبق أن نطقت به النبوات.

ألم يقل إشعياء النبي: «يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل»، أي: الله معنا؟ فما الغرض من هذا الميلاد العذراوي إلا إعلان سر التجسد؛ أن الله الكلمة صار إنسانًا من العذراء القديسة مريم، بغير زرع بشر، لكي يقدس طبيعتنا ويخلصنا.

وعندما يقول إشعياء: «يولد لنا ولد، ونُعطى ابنًا»، فهو يعلن السر الواحد من جهتين: من جهة الناسوت وُلد لنا ولد، ومن جهة اللاهوت هو الابن الأزلي، كلمة الله، المولود من الآب قبل كل الدهور، غير المخلوق، المساوي للآب في الجوهر. ولذلك يكمل النبي قائلًا عنه: «ويُدعى اسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًا، رئيس السلام». فالمولود في الزمان ليس مجرد إنسان منفصل عن الله، بل هو نفسه كلمة الله المتجسد.

فالكنيسة لا تؤمن بمسيحين، ولا بابنين، ولا بشخصين منفصلين، بل برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، الكلمة الأزلي، الذي تجسد من الروح القدس ومن العذراء مريم، وصار إنسانًا كاملًا، بلا خطية. لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين. والاتحاد بين اللاهوت والناسوت اتحاد حقيقي كامل في أقنوم واحد، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا انفصال ولا انقسام.

نقول مع القديس كيرلس الكبير: طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة؛ لا بمعنى أن اللاهوت تحول إلى ناسوت، ولا أن الناسوت ابتلع اللاهوت، بل بمعنى أن الكلمة اتخذ جسدًا ذا نفس عاقلة، وجعله جسده الخاص، واتحد به اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا. لذلك فالذي وُلد من العذراء هو ابن الله المتجسد، والذي تألم بالجسد هو رب المجد، والذي صُلب بالجسد هو الكلمة نفسه بحسب التدبير، لا بحسب لاهوته غير المتألم.

أما في سر الثالوث القدوس، فالآب والابن والروح القدس إله واحد، جوهر واحد، طبيعة إلهية واحدة، ومجد واحد، وقدرة واحدة، ومشيئة إلهية واحدة. الآب هو الينبوع، غير مولود ولا منبثق. والابن مولود من الآب قبل كل الدهور. والروح القدس منبثق من الآب. هذا هو التمايز الأقنومي: الآب أب، والابن ابن، والروح القدس روح. ولا يجوز أن نقول إن الابن هو الآب، أو إن الروح هو الابن، لأن الأقانيم متميزة بلا انفصال، ومتحدة في الجوهر بلا اختلاط.

فكل ما للآب هو للابن، إلا الأبوة. وكل ما للابن هو للآب، إلا البنوة. وكل ما للروح القدس هو للآب والابن من حيث الجوهر الإلهي الواحد، إلا خاصية الانبثاق. لذلك لا ينفرد أقنوم بعمل إلهي بمعزل عن الأقنومين الآخرين، لأن أعمال الله إلى الخارج هي أعمال الثالوث الواحد. فالآب يعمل بالابن في الروح القدس، والابن لا يعمل منفصلًا عن الآب والروح، والروح القدس لا يعمل منفصلًا عن الآب والابن، لأن الجوهر واحد، والمشيئة واحدة، والفعل الإلهي واحد.

ومع ذلك، فالتمايز الأقنومي محفوظ: الآب والد، والابن مولود، والروح القدس منبثق. هذا التمايز لا يعني انقسامًا في الجوهر، ولا تعدد آلهة، ولا اختلاطًا بين الأقانيم، بل هو سر الحياة الإلهية الواحدة التي تفوق العقل البشري.

نحن نستخدم أمثلة تقريبية مثل النور والحرارة والنار، أو العقل والكلمة والروح في الإنسان، لكننا لا نجعل هذه الأمثلة شرحًا كاملًا لله؛ لأنها مجرد إشارات ضعيفة تقرب المعنى ولا تحيط بالسر. فالله غير محدود، وكينونته فوق عقولنا، ولا يمكن أن نُخضع الثالوث لمقاييس بشرية محدودة.

لذلك فالإيمان المستقيم يعلن أن الله واحد في الجوهر، مثلث الأقانيم: الآب والابن والروح القدس. ويعلن أيضًا أن يسوع المسيح هو الإله المتجسد، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، والمولود من العذراء مريم في ملء الزمان بحسب ناسوته، واحد هو لا منقسم، رب واحد، ابن واحد، مسيح واحد، له المجد إلى الأبد. آمين.



بقلم " خادم من الريف"

NomE-mailMessage